الغزالي

91

إحياء علوم الدين

وقال سهل بن عبد الله : الفقير الذي لا يسأل ولا يدخر . وقال آخر : هو أن لا يكون لك فإن كان لك فلا يكون لك من حيث لم يكن لك . وقال إبراهيم الخواص : هو ترك الشكوى وإظهار أثر البلوى . والمقصود أنه لو سئل منهم مائة ، لسمع مائة جواب مختلفة ، قلما يتفق منها اثنان . وذلك كله حق من وجه ، فإنه خبر كل واحد عن حاله وما غلب على قلبه . ولذلك لا ترى اثنين منهم يثبت أحدهما لصاحبه قدما في التصوف ، أو يثنى عليه ، بل كل واحد منهم يدعى أنه الواصل إلى الحق ، والواقف عليه ، لأن أكثر ترددهم على مقتضى الأحوال التي تعرض لقلوبهم ، فلا يشتغلون إلا بأنفسهم ، ولا يلتفتون إلى غيرهم . ونور العلم إذا أشرق أحاط بالكل ، وكشف الغطاء ، ورفع الاختلاف . ومثال نظر هؤلاء ما رأيت من نظر قوم في أدلة الزوال بالنظر في الظل ، فقال بعضهم هو في الصيف قدمان ، وحكي عن آخر أنه نصف قدم ، وآخر يرد عليه وأنه في الشتاء سبعة أقدام ، وحكي عن آخر أنه خمسة أقدام وآخر يرد عليه ، فهذا يشبه أجوبة الصوفية واختلافهم . فإن كل واحد من هؤلاء أخبر عن الظل الذي رآه ببلد نفسه ، فصدق في قوله ، وأخطأ في تخطئته صاحبه ، إذ ظن أن العالم كله بلده ، أو هو مثل بلده . كما أن الصوفي لا يحكم على العالم إلا بما هو حال نفسه . والعالم بالزوال هو الذي يعرف علة طول الظل وقصره ، وعلة اختلافه بالبلاد ، فيخبر بأحكام مختلفة في بلاد مختلفة ، ويقول في بعضها لا يبقى ظل ، وفي بعضها يطول ، وفي بعضها يقصر فهذا ما أردنا أن نذكره من فضيلة العزلة والمخالطة فإن قلت : فمن آثر العزلة ورآها أفضل له وأسلم ، فما آدابه في العزلة ؟ فنقول إنما يطول النظر في آداب المخالطة ، وقد ذكرناها في كتاب آداب الصحبة وأما آداب العزلة فلا تطول . فينبغي للمعتزل أن ينوي بعزلته كف شر نفسه عن الناس أولا ، ثم طلب السلامة من شر الأشرار ثانيا ، ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثا ، ثم التجرد بكنه الهمة لعبادة الله رابعا ، فهذه آداب نيته . ثم ليكن في خلق مواظبا على العلم والعمل ، والذكر والفكر ، ليجتنى ثمرة العزلة ، وليمنع الناس عن أن يكون غشيانه وزيارته ، فيشوش أكثر وقته ، وليكف عن السؤال عن أخبارهم ، وعن الإصغاء إلى أراجيف البلد ، وما الناس مشغولون به ، فإن كل ذلك ينغرس في القلب ، حتى ينبعث في أثناء الصلاة أو الفكر من حيث لا يحتسب . فوقوع الأخبار في السمع كوقوع البذر